زمن انهيار القيم
قبل سنوات عدة وبينما أنا جالس في واحد من بيوت العزاء ، أقبل علينا شيخ مصحوبا بجماعته كما هي العادة المتبعة في مثل هذه المواقف ، احتسى الرجل فنجان قهوته ثم أطرق قليلا و قال بعدها : رحم الله فقيدنا فقد كان من الرجال الذين نعتد بهم ، ففتح بذلك الباب أمام أقرانه الجلوس للحديث في مآثر الرجل ، فأقسم أحدهم بأن الدماء لم تكن تجف في داره وقال آخر بأنه لم يكن يرد سائلا ولا مسكينا وثالث تحدث عن ورعه وتقواه ، لكن الذي شدني في الحديث أكثر من غيره وجعلني استذكره الآن ، هو ما قاله الشيخ عن حادثة بعينها ، لم يكن أغلب من تحدثوا قد أشاروا إليها من قريب أو بعيد ، فقال مذكرا بالطوشة التي وقعت قبل سبعين عاما أو يزيد بين المغفور له وأحد أقرب الأصدقاء إليه، فتاه الحديث قليلا بين مبتسم ومعلق ، ثم عاد بإلحاح ممن لم يعوا ذلك اليوم إلى نصابه من جديد.وحتى لا نتوه في التفاصيل الصغيرة أوجز الحكاية كالتالي ، فلقد كان المغفور له من الكرم والورع كما وصفه المتحدثون وهو ما أهله لأن يتبوء مكانة عميد العائلة وبحكم موقعه هذا ربطته علاقات حميدة بأقرانه في العائلات الأخرى ، إلا أن علاقة مميزة كانت تجمعه بواحد من هؤلاء وصلت في قوتها إلى حد الأخوة بكل ما تعني هذه الكلمة من معان ، لكن المغرضين كدأبهم لم يدعوا سبيلا لبقاء هذه العلاقة على حالها ، فدسوا بين الرجلين إلى أن أوقعوا بينهما وذهبت كل محاولات الإصلاح التي بذلها المخلصون لجمع الرجلين على كلمة سواء أدراج الرياح ، فكان حتما أن ينتهي الخلاف بطوشة تحسم الأمر بينهما وكانت الطوشة في يوم مشهود حشد فيه كل رجل أتباعه متسلحين بالدروع والنبابيت والتقيا في منطقة تسمى بقاعة البير ، وقفوا في صفوف متقابلة ، فانتبذ الشيخ مكانا عليا ونادى على صديقه قائلا : خذ رجالك وارجع وافدينا شر اليوم . ، فرد الصديق بعناد قائلا : ما في أبرك من اليوم .فصاح الشيخ بأتباعه قائلا : عليهم يا رجال . ، فقرعت النبابيت وعلا الصياح والصراخ ، تلاحم الرجال وزغردت النسوة ، كسا الغبار الأمكنة ، فغابت الوجوه وبقي الصراخ وقرع النبابيت يسمع في أطراف البلدة وحولها ، إلى أن بدأت جموع الصديق بالاندحار شيئا فشيئا حتى ردت على أعقابها ، كاشفة ستر الصديق الذي كادت تطيح به نبابيت الرجال ، فصاح الشيخ من مكانه بقوة : أخوي يا رجال . ، فنجى حينها بصرخة أخيه وانشغل الطرفان بتضميد الجرحى ومداواتهم .استذكر هذه الحكاية وأنا أرى الحال التي بتنا عليها .. أرى انهيار القيم والموروث فلا اعتبار لصغير أو كبير ، رجل كان أم امرأة ، مسن أو شاب ، وزير أم غفير ، أستذكر هذا وأنا استهجن وأستغرب ما حدث لزميلنا الكاتب والمفكر والوزير عمر الغول وهذا الإصرار غير المفهوم ولا المقبول على اعتقاله بدون وجه حق أو منطق وهو الذي كان دوما رجل كلمة وموقف ، وأستذكر هذا وأنا أدين وأشجب بكل الكلمات والمعاني ما حدث للأخ المناضل إبراهيم أبو النجا ، هذا الرجل الذي شهد له الجميع بمواقفه الوطنية الحريصة دوما على لم الشمل وإعادة اللحمة بعد كل خدش يصيبها، ثم يأتي من يقترف بحقه هذا الجرم الذي هو أولا واخيرا سبة ووشمة عار في جبين من اقترفوه ، أستذكر هذا وأنا أبكي لحال المرأة التي دمر بيتها ليلة الإنطلاقة ووقفت أمام عدسة التلفاز تبكي وتصرخ وتدعو بكل ما أوتيت من تعابير محملة بنار اللوعة والأسى على من تسبب في نكبتها وخراب بيتها ، أستذكر هذا وأنا أحاول فهم الأسباب والدوافع التي سلختنا من ذلك الماضي الجميل رغم كونه فطريا إلى أبعد الحدود وجلبت لنا هذا الواقع المفجع رغم كل مافيه من ادعاء للدين والتدين . محمد نصار 2/1/2008
127 قراءة
|
التعليقات (0 كتبت)
|
|