قليل من الحلم قد يشفي بعض الجراح
قليل من الحلم قد يشفي بعض الجراح قيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم ؟ ، فقال : كنت في مجلس لقيس بن عاصم ، فجيئ بابن أخيه موثقا ووضع بين يديه ، فسأل أولاده الذين أحاطوا بابن عمهم من كل جانب عن سبب ذلك ، فقالوا لقد قتل أخانا وجئنا به لتنظر في أمره ، فوالله ما فك حبوته ، لكنه نظر إليه وقال معاتبا : يا ابن أخي لقد أغضبت ربك وفتت عضدك وقللت عددك ، فوكوا وثاقه وكفنوا أخاكم ، ثم ادفعوا لأمه الدية فهي غريبة .يا إلهي .. أي عظمة هذه وأي خلق !،.. أي شهامة وأي حلم ! ، أي الرجال هذا وأي زمان أنجبه ؟ ونحن في زماننا الأغبر لا نرى غضاضة في أن يقتل الرجل أخاه أو أباه لأتفه الدواعي والأسباب من دون أن تختلج له نفس أو ترمش له ، ثم نرى فيما تقترف إيدينا من آثام وجرائم بوادر نصر سيجلبه لنا أتي الأيام ، دون أن ندري وربما ندري ونكابر ، بأنه لم يبق لدينا عضد نعتد به ولا عدد نفاخر به توطئة ليوم النصر المزعوم ، فما بالك باليوم المشؤم والغربان تنعق في كل حين حاملة الذر والوعيد بأيام يشيب فيها الوليد . ومع ذلك كله لا نجد فيمن رأوا في نكباتنا انتصارات وفي عذاباتنا هنات تمضي مع الأيام ، رجالا يتصفون ببعض ما تحلى به ذلك الرجل الضارب في عمق التاريخ رغم زعمهم وادعائهم بامتلاك الأرث كله ، لكن نظرة خاطفة إلى سلوك ذلك البدوي البسيط تنسف زعمهم كله وتظهر زيف ادعاءاتهم ، فذاك الرجل الذي خبر دروب الحياة وسبلها قدم لنا الأسس الأولى لمعادلة البقاء وبحسه المجرب أخبرنا أن المجمتمعات المتناحرة المتباغضة لايمكن أن تقوم لها قائمة إذا ما أوغلت في هذه الطريق ، ومع ذلك نكابر ونعاد موهمين أنفسنا بصواب المنطق والحجة ، دون أن نكلف عقولنا المغيبة قليلا عناء البحث في الخسارة التي حلت بنا وإن كانت تساوي حجم العناد والشعار الذي نرفعه أو في الربح الذي حققناه من وراء ذلك إن كان هناك ربح من أصله .فالبدوي الذي هو معرض حديثنا أدرك أن مقتل ولده خسارة ما بعدها خسارة ، لكنه أدرك أيضا بأن القصاص من ابن أخيه سيضاعف الخسارة أضعافا مضاعفة ، فغلب حكمته على نوازعه ورغباته ، بينما نحن لا تحركنا سوى تلك النوازع والرغبات وقد وجدت لها متسعا في سوق الجهالة والشعارات دون أن يعنينا من أمور الحساب شيء لا في الكسب ولا في الخسارة ولا أقول في الحلم والحكمة لأنها تبدو بعيدة عنا بعد ذلك الزمان عن زماننا ، مع أن قليل من الحكمة كفيل بتضميد بعض الجراح إن لم يشفيها جميعا .
122 قراءة
|
التعليقات (0 كتبت)
|
|