" في صحبة الشيطان " للقاص محمد نصار
" في صحبة الشيطان " للقاص محمد نصار محمد محمود أبو قادوس شخصيات تاريخية هي في واقع الأمر رموز للشر ، وتتجلى هنا حقيقة هي أن المرحلة التي يعيشها الكاتب مع أبناء شعبه هي مرحلة شيطانية أفرزتها العمالة والخيانة وكل خيوط هذه المرحلة هم شياطين وأشباه شياطين ، وفي هذا كله يقرع أجراس الخطر المحدق بالشعب .أظهرت القصة شخصية الأديب وعاطفته ونفسيته ، فهذا الأديب تتقاذفه الهموم والإحباطات ، يحمل من المشاعر الرقيقة الكثير ويبدو منتميا وإن كانت تجاربه التي تعرض لها جعلته إنسانا عاصفا رافضا ، ينظر إلى الحياة نظرة سوداوية ، فتكرار بعض الألفاظ يشف عن هذه الحقيقة ( القلق ، الإحباط ، العجز عن التغير، اليأس ، الحرمان ، الجوع ) .تبدأ القصة بحوار ذاتي حول مرارة الحياة وقسوتها وصعوبة إيجاد لقمة العيش ، تعرض خلالها معاناة الإنسان لإيجاد وظيفة ، وتعود الشخصية المحورية إلى البيت مقررة تقريرا مرا كمرارة الحياة – هذه البيئة زمانا ومكانا وهي على الأرجح في فترة قريبة جدا – لم يشر إليها الأديب في نهاية القصة ولعل ذلك بسبب ما تعرض إليه من تعرية لرموز الشر وفضح لها ، أقول هذه البيئة أفرزت إنسانا محطما ومحبطا يهرب من هذا الواقع إلى الكتاب ، فإذا بالكتاب ينقله إلى عالم أشد وضوحا في شراسته وما هو في الحقيقة إلا نسخة طبق الأصل للعالم المتعري كل رموز الشر فيه ، قديمها وحديثها وهو وسط هذا كله لا يملك فكاكا ويقوم برصد ما يراه من قبح وبشاعة ، والمضمون جديد كجدة المرحلة التي يعرض لها ، وهي مرحلة لها مظاهرها وخصائصها من ردة سياسية وفكرية ومن إحباط ومعاناة ، إنها مرحلة الضياع والتخلي عن المبادئ وتزوير الحقائق .وقد رسم القاص صور هذا الزمان بتعامله مع الرمز بشكل دقيق ومعبر ، أما عن المكان فيبدو فقيرا حارا مزدحما ، أقرب إلى حياة المخيمات .عمد الأديب إلى الحوار الداخلي واستطاع ضغط الزمان والمكان في بوتقة واحدة منة خلال استغلاله للخيال أو حلم اليقظة ، فالحلم عادة يعبر عن واقع رديء للحاضر الذي يعيشه الشخص فناء بحمله ، وتحدث من عقله ولإن حدث وتناساه ، فهو مسيطر عليه في اللاشعور ، إن هذا الحلم يهدف إلى التحذير من أمر خطير يكمن في ذاكرة الشخصية التي تنشد الخلاص ، وإن كان هذا الحلم أشبه بالهذيان فهو يحمل الكثير من مما أسلفت .من خلال توظيف الحلم استطاع الكاتب القفز من زمن إلى زمن ومن مكان إلى مكان بما تضمنه الأزمنة والأمكنة من شخصيات تصنع الأحداث .وأتصور أن القاص كان موفقا في وصف المكان –كما أشرت سابقا – وهو المكان الذي انطلق منه الحدث الخيالي ، ثم أحسن في وصف مكان الحلم ، فقد رسم صورة مقززة منفرة لأماكن الشخصيات وأظهر التناقض بين الظاهر والخفي الباطني ،شأن التناقض في هذه الحياة نفسها .لا أكاد أبالغ إذا قلت أن القاص أجاد في اختيار الشخصيات وتولى بنفسه رسم معالمها مستعينا بقراءته التاريخية وخلفيته الدينية وتجاربه الذاتية والتحامه المباشر بالحياة ، هذه الشخصيات الشريرة التي تمثل شخصيات واقعية فهي تكاد تطفو حية بين السطور ، فرموز الماضي هي هي رموز الحاضر وإن اختلفت الأسماء، فمازال أبو جهل بيننا وما تركت زوجة لوط خبثها وما فتئ السامري يغوي والشيطان يواصل مدهم بحبائله الخبيثة ، فامرأة لوط رمز للعمالة ، فلقد هددت أقرب الناس إليها وهددت أمنه داخليا وخارجيا ، تتطلع على الأسرار فتفشيها ولا أحد يشير إليها بإصبع الاتهام ومن يجرؤ على ذلك وهي في بيت النبوة ، بل وصل بها الأمر وبمن معها إلى تطهي الأرض ممن يتطهرون ، إتها وبحق مناظرة مناظرة دقيقة ن فالطهارة أصبحت عندهم جريمة يعاقب عليها قانونهم الشاذ زقارئ القصة سجين غريب وما الخيالات المتحركة على جدرانه سوى فكرة تتضمن صورا غريبة بما تحمله من فكرة تمخضت عن شعور الإحباط ، حبكت بشكل فني ذكي ، بحيث رسم القاص صورا غريبة لواقع أليم .لقد تعامل القاص بمهارة مع المادة الوصفية ، حيث مزجها بالحدث ورافقته دون انفصال : أحاسيس غريبة تنتابني ومشاعر غضب تزخر في صدري .. عدت خائر القوى ، منهك الجسد وقد أعياني اللف على الدوائر والمؤسسات ..لعل الفضل في ذلك يرجع إلى كومة الملابس المصلبة أمامها .. وفجأة وقفنا على واحة واسعة لا تكاد تبصر لها حدود .وبالنظر إلى لغة القاص نجد فيها ما يستوقفنا ، فهو يركز على تعبيرات القهر والرعب والقسوة " إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب .. كدت أصعق إثر صوت كأنه الرعد .. قفز نحوي ككلب مسعور " وقد استخدم ضمير المتكلم في أغلب القصص مما يشير إلى أعماق النفس ، فيما يشبه التداعي الحر والذي كشف عن انفعالاته المعقدة في وقت مبكر " حيرة تقتلني .. أأنا فاشل أم أن اللعبة أعقد مما أظن ؟ ، لا أدري .. لعل هذا سبب نقمتي على واقع أصبحت أشعر فيه بالعزلة .. بالغربة وأحيانا بعدم الانتماء .استخدم الكاتب عبارات رمزية مكثفة تضيف إلى القصة معان ودلالات مهمة مثال ذلك : اللعبة أعقد مما أظن " إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب " ، جيوش العاطلين ، ما عاد كيس الطحين يحتمل وعود ، مملكة الشيطان .. الخ .هذا النص يكشف عن شخصية أديب جاد يعالج قضايا ملحة ، فهو معايش للواقع ويكشف سلبياته بلغة جيدة على العموم وإن كان هناك بعض السلبيات اللغوية كإغفال حروف العطف في كثير من الأحيان وفي استخدام بعض التراكيب مثل " تزخر في " والأصل تزخر بي وأظن ختاما أن الأديب قاصا أفضل منه روائيا بالنظر إلى روايته أحلام . جريدة الصباح تموز 1999
138 قراءة
|
التعليقات (0 كتبت)
|
|