عند سماع الخبر خرجت المبروكة عن بكرة أبيها ، جموع من الناس راحت تزحف لاستقبال الجثمان العائد متلفعا بالدماء وأخرى تدافعت من بين الأزقة والحارات ، فالتقت حشودها عند جرن البلدة الذي بدا من بعيد كبحر متلاطم الأمواج .
صوت الفجيعة بالفقيد كان يزلزل الأرجاء ، هتاف الحناجر التي انطلقت خلف النعش ، كان يسمع في القرى والنجوع القريبة ، جموع المشايخ التي خرجت بالطبل والرايات ، أضفت على المشهد مهابة ورهبة ، صوت المبروك الذي كان يقصف كالرعد بالتهليل والتكبير ، خبا عند اللحد دفعة واحدة ، ثم ارتمى فوقه لحظة أن هالوا عليه التراب وراح يصيح كالمبطون : عمي .. خذني معك يا عمي .. خذني معك.
سواد حالك لف القرية بأسرها وأسى أصبح وأمسى في الطرقات وفي المهاجع ، دار عمي الشيخ إبراهيم ظلت مزارا يؤمها الناس طيلة أيام الحداد المتعاقبة ، حتى دوريات الإنجليز احتجبت عن الأنظار ، لم نرها سوى مرة أو اثنتين طيلة فترة الحداد ، وفي ثالثة جاءوا بالمبروك ليلا والقوا به قرب الباب ، خرجنا لنستطلع الأمر ، فشاهدنا المبروك منكبا على وجهه ينوح بصوت خافت ، أسرع أبي نحوه .. تحسسه بحذر .. ربت على ظهره ، ثم أمسك بيده وأسندها على كتفه .. فنهض الشيخ بصعوبة وسار إلى جواره بادي الإنهاك والتعب .
- عساهم ما آذوك ؟ . ، سأله أبي مستوضحا .
- لا .. لكن قالوا لي ما تتأخر عند المقبرة . ، غمغم بها المبروك من بين دموعه .
- يا مبروك حرام اللي عامله في روحك .. لازم الواحد منا يسلم بقضاء ربه . ، قالها أبي بشيء من اللين والرجاء .
- ونعم بالله …الله يرحمك يا عمي الشيخ برحمته، ثم أجهش بالبكاء .
- ربنا يرحمنا جميعا .
فكانت أولى بشائر الرحمة من نصيب المبروك ، إذ صحونا بعد هذه الحادثة بأيام على صوت طرقات قوية تهز الباب ، صاح أبي من الداخل : مين ؟ .
- افتح يا عمي .
- يا صباح يا فتاح .. هذا مسعود ابن جيراننا .
- ربنا يستر . قالت أمي بشيء من الخوف والفزع .
- مالك يا ولد ؟ . ، سأله أبي مستفسرا .
- المبروك يا عمي .
- ما له ؟ .
- لاقوه ميت فوق قبر عمي الشيخ إبراهيم .
- أيش ! .. لا حول ولا قوة إلا بالله .
قالها أبي واندفع خارجا ، لحقت به وانطلقنا نحو المقبرة ، فوجدنا جموعا من الناس قد سبقتنا إلى هناك ، انكب أبي فوق الجثمان وبكى ، فأبكى من كانوا في المكان جميعا ، صوت المختار جاء مخترقا الصفوف التي أحاطت بالجثة : وحدوا الله يا جماعة .. أذكروا الله يا ناس.
- لا إله إلا الله .
لحظات سار بعدها المبروك محمولا على الأكتاف نحو بيتنا ، إصرار أبي على أن يكون الغسل في داره وطبيعة العلاقة التي كانت تربطنا بالمبروك ،جعلت الناس يباركون مطلبه بما فيهم المختار الذي سعى في البداية لأن يكون الغسل في داره .
لتحميل الرواية كاملة إضغط هنا